لماذا يقاطع طفل التوحد الكلام؟ أسباب علمية واستراتيجيات عملية

يُعدّ انقطاع الحوار أو مقاطعة المحادثات تحديًا شائعًا لدى الأطفال المصابين بالتوحد. ولكن ما السبب؟

تبدو المحادثة أشبه بالموسيقى، بإيقاعها المعتاد: الاستماع، الانتظار، ثم الكلام. لكن بالنسبة للكثيرين من المصابين بالتوحد، قد يختل هذا الإيقاع أو يتغير.

إن التداخل في الحديث من قبل المصاب بالتوحد أكثر شيوعًا مما يظن معظم الناس، وهي ليست وقاحة؛ فغالبًا ما تنجم هذه المقاطعات عن اختلافات عصبية أو أنماط حسية فردية، تعكس طريقة تفكير الدماغ. فبعض العقول تتسابق للإجابة بسرعة، بينما ينتظر البعض الآخر حتى يستوعبوا كل صوت قبل أن تتضح الكلمات. بل إن بعض الحواس قد تطغى على المتحدث وتشتت الانتباه.

في هذا المقال، نتناول الأسباب والأساليب، بالإضافة إلى خطوات بسيطة يمكنك تجربتها كأب أو معلم، نستخدم لغةً واضحةً وبسيطة، ونحافظ على نبرةٍ هادئةٍ ودافئة، و نبقى واقعيين ومتفائلين في آنٍ واحد. كما ستجدون الأبحاث مُوضّحةً بأسلوبٍ سهل، وستجدون أفكارًا يُمكنكم اختبارها عمليًا. هل أنتم مستعدون لاكتشاف أسلوب جديد؟

حقائق سريعة في صلب الموضوع

تشير بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الحديثة إلى أن حوالي طفل واحد من بين كل 31 طفلاً في الولايات المتحدة تم تشخيص إصابته بالتوحد.

يعاني العديد من الأشخاص المصابين بالتوحد من اختلافات حسية؛ وتتراوح التقديرات على نطاق واسع، حيث تشير الدراسات إلى وجود سمات حسية لدى غالبية الأطفال المصابين بالتوحد (ماركو، 2011).

ترتبط سرعة المعالجة واختلافات الذاكرة العاملة بمشاكل التوقيت الاجتماعي (Haigh، 2018؛ Rabiee، 2020).

 أسباب محفزة لمقاطعة السلوكيات

غالباً ما تنشأ المقاطعات من عوامل داخلية أو بيئية، وليس من سوء سلوك متعمد. إن فهم هذه العوامل هو الخطوة الأولى نحو حلول فعالة وضمان استمرارية النجاح في برامج تدريبية متخصصة.

1-سرعة المعالجة: يحتاج الدماغ إلى نبضات إضافية

تخيّل أنك تسمع سؤالاً، ثم تتوقف للحظة بينما يفكّ عقلك معناه، بالنسبة للعديد من الأشخاص المصابين بالتوحد، تستغرق هذه اللحظة وقتاً أطول. وعندما تنتهي، تشعر بأن الفكرة ملحة، فتخرج إلى ذهنك ويضغط  الإلحاح الذهني على لسانك  ليخرج الإجابة فورًا، قبل أن تتبخر المعلومة من ذاكرتك العاملة التي غالبًا ما تكون مجهدة.

بعض الأطفال المصابين بالتوحد يعالجون المعلومات بطريقة مختلفة، قد تسير المحادثات بسرعة كبيرة، مما يدفعهم إلى التحدث خوفًا من نسيان ما يريدون قوله، قد يبدو هذا وكأنه مقاطعات، ولكنه في الحقيقة استراتيجية للاحتفاظ بالأفكار.

كما وجد الباحثون تباطؤاً في سرعة المعالجة لدى البالغين المصابين بالتوحد، مما قد يؤثر على توقيت التفاعل الاجتماعي (هايغ، 2018).

2-الذاكرة العاملة: الخوف من فقدان الفكرة

تحتفظ الذاكرة العاملة بالفكرة في ذهنك أثناء تكوين الكلمات، إذا كانت هذه الذاكرة ضعيفة، فقد يتحدث الطفل خوفًا  من نسيان ما يريد قوله، يظهر هذا السيناريو بكثرة في حالات التفاعل مع الأشقاء،حيث تكون المنافسة على الحديث عالية، هذا ليس قلة احترام، بل هو أمر طبيعي. 

تربط دراسة أجراها أ. ربيعي وآخرون (2020) بين اختلافات الذاكرة العاملة وصعوبات التواصل الاجتماعي لدى المصابين بالتوحد. 

3-ضبط النفس: الفعل بدلاً من التوقف

لا تعمل الوظائف التنفيذية، أو ما يُعرف بمكابح العقل، بنفس الطريقة لدى الجميع. فإذا كانت هذه المكابح خفيفة، قد يخرج الكلام فجأة. ويرتبط هذا غالبًا بحالات متداخلة مثل: اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، مما يزيد من احتمالية المقاطعات الاندفاعية (م. ثيودوراتو وآخرون، 2024).

4-الإثارة والتحميل الحسي الزائد

عندما تكون الغرفة ساطعة أو صاخبة أو مزدحمة، تتنافس الحواس بشدة لجذب الانتباه، وقد يدفع هذا التوتر الشخص إلى نوبات كلامية فورية إلى التلفظ بكلماتٍ عفويةٍ هربًا من الانزعاج أو لتشتيت انتباهه،  هذه ردود فعل طبيعية على مؤثرات حسية قوية.

وتُبرز الدراسات التي تناولت معالجة المعلومات الحسية لدى مرضى التوحد مدى شيوع الاختلافات الحسية وكيف تُؤثر على السلوك في الأماكن المزدحمة كالمنتزهات (إي جيه ماركو وآخرون، 2011؛ ​​أو. باتيل وآخرون، 2023).

5-تحديات التحكم في الاندفاع: بين بيولوجيا الدماغ وشغف الاهتمامات

يرتبط الاندفاع اللفظي لدى المصابين بالتوحد ارتباطًا وثيقاً بطبيعة تطورهم العصبي؛ فالدماغ هنا يجد صعوبة حقيقية في "كبح" رد الفعل الفوري، خاصة عندما تكون المشاعر قوية. ووفقًا لبحث نُشر في مجلة (PLoS One - 2023)، يميل البالغون المصابون بالتوحد إلى أخذ فترات صمت أطول في بداية الحوار لضبط إيقاعهم، وهي اختلافات في "التوقيت الاجتماعي" تبدأ منذ الطفولة وتستمر معهم.

هذا التحدي العصبي يزداد تعقيدًا عندما يثار موضوع يقع في دائرة اهتماماتهم الخاصة؛ فالحماس والشغف الحقيقي يجعل الانتظار يبدو مهمة شبه مستحيلة. في هذه اللحظة، لا يكون الهدف هو المقاطعة أو الاستخفاف بالآخر، بل يكون "الإلحاح الذهني" لمشاركة معلومة هامة أقوى من أي قواعد اجتماعية تقليدية. إنه تعبير عن شغف صادق يبحث عن مخرج، وليس مجرد سوء سلوك.

6-القلق والتوتر 

قد تدفع المواقف الضاغطة الأطفال إلى الشعور بالاستعجال في مشاركة أفكارهم، ويُعدّ المقاطعة آليةً للتأقلم، تُمكّنهم من السيطرة على لحظات التوتر. فعلى سبيل المثال: أثناء سرد القصص الجماعي في الصف، قد يقاطع الطفل لضمان سماع فكرته قبل نسيانها. وتشير الدراسات إلى أن القلق قد يؤثر بشكل كبير على الاندفاع اللفظي لدى الأفراد المصابين بالتوحد (مجلة التوحد واضطرابات النمو، 2021).

7-قواعد محادثة مختلفة وصعوبة قراءة الإشارات الاجتماعية

تُشير دراسة أجراها جي إل ويليامز (2021) إلى أن العديد من حالات عدم التوافق تُعدّ مشكلة متبادلة؛ فالأشخاص المصابون بالتوحد يتبعون قواعد محادثة مختلفة. وغالباً ما تشير الإشارات غير اللفظية، كلغة الجسد وتعبيرات الوجه، إلى الوقت المناسب للكلام. قد يغفل الأطفال المصابون بالتوحد عن هذه الإشارات تماماً. وبدونها، تحدث المقاطعات دون قصد.

أمثلة: كيف تبدو المقاطعات في الواقع 

  • ينتظر مراهق بينما يشرح زميله مشروعًا، يتمكن المراهق أخيرًا من صياغة العبارة، لكن الموضوع قد تغير، فيتدخل زميله لإكمال فكرته.

  • يسمع شخص بالغ في اجتماع تعليقًا عابرًا يثير لديه ذكرى ما، فيبادر الشخص بفكرة قبل أن ينهي المتحدث كلامه.

  • يشعر طفل أثناء تناوله العشاء بالانزعاج من ضجيج المطبخ، فيقاطع ليسأل سؤالاً يساعده على إيجاد اليقين.

تُظهر كل حالة مثيرًا مختلفًا: تأخر في المعالجة، أو خوف من النسيان، أو اضطراب حسي، كل حالة تتطلب استجابة مصممة خصيصاً لها.

 ماذا تقول الأبحاث؟

يختبر الباحثون استراتيجيات عملية، وقد أظهرت المراقبة الذاتية، والإشارات البصرية، ولعب الأدوار، والتدريب المنظم نتائج إيجابية. فعلى سبيل المثال: وجدت دراسة أجراها س. أيفازو عام 2024 أن المراقبة الذاتية القائمة على الفيديو حسّنت السلوك الحواري لدى المراهقين المصابين باضطراب طيف التوحد. 

غالباً ما تُقسّم الاستراتيجيات السلوكية التطبيقية المهارة إلى خطوات صغيرة، مما يُسهّل ضبط الوقت وتساعد المؤقتات المرئية، وبطاقات التذكير على شكل إشارات المرور، ونصوص تبادل الأدوار الواضحة، الدماغ على توقع ما سيحدث لاحقاً. وتظهر هذه الأساليب في الدراسات التدخلية والأدلة السريرية.

استراتيجيات التواصل الفعال للحد من المقاطعة  

خطوات واضحة بسيطة وقابلة للتنفيذ، كما الآتي:

1-استخدم إشارة بصرية

ارفع بطاقة صغيرة عندما يحين دور أحدهم، كبطاقة توقف أو بطاقة انطلق، هذه الإشارة تقلل من التخمين.

يمكنك أيضًا استخدام أدوات تكنولوجية محددة مثل: تطبيقات التواصل (Proloquo2Go) لتنظيم الأدوار.

2-علّم كلمة انتظر من خلال لعبة

العب ألعابًا تعتمد على التناوب وتُكافئ الصبر، مثل: ألعاب ثنائية اللاعبين، جولات قصيرة واجعلها ممتعة، سواء كانت ألعابًا لوحية أو جلسات علاج جماعي مصغرة في البيت.

3-بناء عادة حفظ الأفكار

علّم الشخص أن يحفظ عبارة على ملاحظات لاصقة أو بطاقة خطاب سريعة، هذا يقلل من الخوف من نسيان الفكرة.

4-قدّم فترات راحة حسية

إذا كان المكان صاخبًا أو مضاءً بشكل كبير، فامنحه ركنًا هادئًا، يمكن للحظات من الهدوء أن توقف الكلام المتهور.

5-استخدم المراقبة الذاتية

سجّل مقاطع فيديو قصيرة لتمثيل الأدوار، شاهدها معه، أشر إلى الإنجازات وامدح التفاصيل.

6-ارسم له خارطة الطريق في حديثك

سأصمت الآن لثوانٍ لأسمعك، أو بعد أن أنهي كلامي، سيكون الدور لك.

عندما تبتكر نمطًا ثابتًا ومتكررًا في حوارك، فأنت تنزع فتيل القلق لديه؛ فالتوقع يمنحه الأمان، والأمان يقلل من حاجته للمقاطعة الاندفاعية.

7-اللعب التفاعلي

 سرد القصص والألعاب الاجتماعية لممارسة الاستماع والتحدث.

8-العلاج النطقي

 يركز على المفردات، والنطق، والبراغماتية في المحادثة.

9-التكنولوجيا

تطبيقات تدعم مهارات التواصل، مصممة خصيصاً لتناسب وتيرة الطفل واهتماماته.

من خلال هذه الاستراتيجيات، يكتسب الأطفال الثقة في قدرتهم على المساهمة بشكل مناسب، مما يحسن العلاقات الاجتماعية واحترام الذات.

المحفزات والأساليب المقترحة

لتبسيط الأمر عليك، إليك هذا الملخص السريع الذي يربط بين السبب الذي يدفع طفلك للمقاطعة وبين أفضل طريقة للتعامل معه:

 

المحفز

المثال الواقعي

الحل المقترح

القلق/التوتر

التسرع في مشاركة قصة

طمأنة هادئة، وتبادل أدوار منظم

الإثارة

التحدث عن موضوع مفضل فجأة

أوقات مشاركة مجدولة، وبطاقات بصرية

تأخير المعالجة

نسيان ما يجب قوله عند الانتظار

تدوين الملاحظات، واستخدام محفزات ذهنية

الإشارات الاجتماعية

غياب فترات الصمت

النمذجة والقصص الاجتماعية

نصائح عملية للآباء والمعلمين

إذا كان طفلك يقاطعك باستمرار، فضع في اعتبارك هذه الأساليب:

  • استخدم عبارة توقف: على سبيل المثال:أريد حقًا أن أسمع هذا، لكن دعنا ننهي الغداء أولاً.
  • العودة إلى المحادثة: أظهر أن أفكار الطفل محل تقدير، عندما يلتزم الأب والأم دائمًا بالعودة لسماع فكرة الطفل بعد تأجيلها، يتولد لدى الطفل يقين بأن صوته مسموع، هذا اليقين هو الذي يقلل من حدة الاندفاع والمقاطعة على المدى الطويل
  • الحديث الخاص ليس مقاطعة: قد يتمتم المصاب بالتوحد بكلمات لتنظيم ذهنه؛ لا تشعر بالاضطرار للرد على كل كلمة. دعه يكمل حديثه الداخلي، فهذا يقلل من توتره ويساعده على الاستعداد للمحادثة الفعلية لاحقًا.
  • تنظيم أنشطة هادئة: المشي أو مشاهدة الرسوم المتحركة أو وقت اللعب يساعد الأطفال على تعلم أن الصمت أمر مقبول.

تذكر: لا توجد طريقة واحدة تناسب جميع الأطفال، فالاتساق والصبر والقدرة على التكيف هي المفاتيح الأساسية.

أسئلة شائعة حول التوحد ومقاطعة المحادثات

1. لماذا يقاطع طفلي حتى عندما يعلم أنه لا ينبغي له ذلك؟

غالباً ما تكون المقاطعات عصبية وليست مقصودة، ويمكن أن يساهم في ذلك ضعف التحكم في الاندفاع، وتأخر المعالجة، والقلق.

2. هل يمكن أن يكون الحماس شيئًا جيدًا؟

نعم! الحماس يعكس انخراطًا عميقًا، ويمكن لتنظيم فرص تبادل الأفكار أن يستغل الحماس بشكل إيجابي.

3. كيف تساعد الوسائل البصرية في مقاطعة السلوكيات؟

تساعد الوسائل البصرية على توضيح التوقعات، وتساعد بطاقات التذكير أو علامات التوقف أو مخططات إشارات المرور الأطفال على معرفة متى يتحدثون.

4. كيف يمكن للوالدين التعامل مع المقاطعات المتكررة دون التسبب في التوتر؟

بإمكان الوالدين الحفاظ على هدوئهم، ووضع توقعات واضحة، واستخدام تذكيرات لطيفة أو إشارات بصرية، كما أن جعل التفاعلات متوقعة وداعمة يساعد الأطفال على ممارسة الصبر دون الشعور بالضغط.

5. كيف يمكنني تحقيق التوازن بين الصبر وتعليم مهارات المحادثة المناسبة؟

استخدم التعزيز المستمر والتمارين المنظمة، امدح الجهود المبذولة، وقدم التوجيه اللطيف، وقدّم نموذجًا مناسباً لتبادل الأدوار.

6. كيف أشرح للمعلمين سبب المقاطعة؟

أخبرهم أنها فجوة معالجة وليست سوء سلوك، واطلب منهم استخدام إشارات بصرية داخل الصف لدعم طفلك.

7.هل تختلف المقاطعة حسب المراحل العمرية؟

نعم، ففي الطفولة تكون اندفاعية حسية، بينما في المراهقة قد تكون محاولة اجتماعية غير موفقة للانخراط في الحوار.

8. كيف أميز بين المقاطعة الاندفاعية والمقصودة؟

الاندفاعية ترتبط بمحفز حسي أو حماس لموضوع معين وتحدث بلا تفكير، بينما المقصودة (وهي نادرة) تهدف فقط لجذب الانتباه المستمر.

9. ما هي علامات التحسن في مهارات الانتظار؟

استخدام الطفل للإشارات البصرية بنفسه، أو البدء بسؤال: "هل يمكنني التحدث الآن؟".

في الختام، تذكر دائمًا أن تلك الكلمات التي تندفع من طفلنا لتُقاطع حديثنا، ما هي إلا رغبته الصادقة في أن يكون جزءاً من عالمنا، المقاطعة ليست جدارًا يسد طريق التواصل، بل هي عثرة توقيت يمكن تجاوزها بالحب والأدوات الصحيحة، والاتفاق.

عندما نمنحهم الأمان والثبات، فنحن لا نعلّمهم مهارة اجتماعية فحسب، بل نبني بداخلهم يقينًا بأن صوتهم مسموع، وأن انتظارهم سيُقابل دائمًا بآذانٍ صاغية وقلوبٍ مُحبة.

هل جربتم استخدام البطاقات البصرية مع أطفالكم من قبل؟ شاركونا تجاربكم في التعليقات.

(0) التعليقات

    لاتوجد تعليقات

اترك تعليقا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك

اشترك الآن في النشرة البريدية لتصلك أحدث المستجدات العلمية وآخر التحديثات التدريبية