التوحد لدى البالغين-فوائد وتطبيقات علاج تحليل السلوك التطبيقي (ABA)

لطالما ارتبط علاج تحليل السلوك التطبيقي (ABA) بدعم الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت اهتمامًا متزايدًا بتطبيق برامج التدخل السلوكي على البالغين. يعكس هذا التحول فهمًا عميقًا بأن التوحد حالة تستمر مدى الحياة، وأن الأفراد يحتاجون إلى تعديل السلوك لمواجهة تحديات مرحلة البلوغ، سواء في العمل أو الحياة المستقلة.

تستكشف هذه المقالة فوائد التدخلات القائمة على الأدلة في عالم علاج تحليل السلوك التطبيقي للبالغين، والاعتبارات اللوجستية، مثل: التأمين الصحي والرخص المهنية لضمان تطبيق ناجح.

فهم علاج تحليل السلوك التطبيقي

قبل الخوض في تطبيقاته المحددة، دعونا نراجع المبادئ الأساسية لعلاج تحليل السلوك التطبيقي، يعتمد العلاج السلوكي على تحليل العلاقة بين السلوك والبيئة المحيطة، ويركز على السلوكيات القابلة للملاحظة، مستخدمًا تقنيات مثبتة علمياً لـ:

  • زيادة السلوكيات التكيفية: قد يشمل ذلك تعليم مهارات التواصل، أو مهام الحياة المستقلة  والاعتماد على الذات، أو التفاعلات الاجتماعية المناسبة.

  • تقليل التحديات السلوكية: تشمل هذه السلوكيات إيذاء النفس، ونوبات الغضب، أو الانسحاب الاجتماعي، مثل: العزلة الاجتماعية أو السلوكيات النمطية التي قد تعيق الاندماج المهني.

  • تطوير مهارات وظيفية:  قد يشمل ذلك تعلم مهارات العمل، أو إدارة المشاعر، أو بناء علاقات صحية، كإدارة الوقت والتعامل مع ضغوط العمل.

الركائز الأساسية للبرامج السلوكية:

تشمل المكونات الرئيسية للعلاج السلوكي التطبيقي ما يلي:

1. نموذج السلوك (ABC):

 ويتكون من (السوابق - السلوك - اللواحق)، ويساعد هذا الإطار في فهم المثيرات والدوافع  (السوابق) التي تؤدي إلى ظهور السلوك، ومن ثم النتائج أو العواقب التي تتبع هذا السلوك.

2. التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement):

 أي مكافأة السلوكيات المرغوبة عبر مكافآت معنوية أو  مادية؛ لزيادة معدل تكرار حدوثها في المستقبل. 

عند اختيار المعززات للبالغين، يجب مراعاة قانون المطابقة في علاج ABA لضمان أن قيمة التعزيز تتناسب مع الجهد المبذول في المهام الوظيفية أو الاجتماعية المعقدة.

3. المساعدة والإخفاء (Prompting & Fading):

أي تقديم دعم ومساعدة أولية (تلقين) ثم سحب هذا الدعم تدريجيًا مع تطور مهارات الفرد واعتماده على نفسه لضمان الاستقلالية.

4. جمع البيانات وتحليلها (Data Collection & Analysis):

 يتم مراقبة ومتابعة التقدم من خلال جمع بيانات موضوعية، مما يسمح بإجراء تعديلات دقيقة وفعالة على خطة العلاج السلوكي.

5. أدوات القياس والتقييم:

الاعتماد على أدوات معيارية، مثل: VB-MAPP أو ABLLS-R لتقييم المهارات بدقة قبل البدء.

لماذا ينبغي التفكير في العلاج السلوكي التطبيقي للبالغين؟

قد يستمر البالغون المصابون باضطراب طيف التوحد في مواجهة تحديات في مختلف مجالات الحياة، بما في ذلك:

  • التفاعل الاجتماعي: صعوبة فهم الإشارات الاجتماعية، أو بدء المحادثات، أو الحفاظ على الصداقات.

  • التواصل: مهارات لفظية محدودة، صعوبة في التعبير عن الاحتياجات أو المشاعر، أو تحديات في التواصل غير اللفظي.

  • مهارات الحياة اليومية: صعوبة في إدارة الروتين، أو تخطيط المهام، أو تنظيم الوقت.

  • المعالجة الحسية: فرط الحساسية أو نقصها للمؤثرات الحسية، مما يؤدي إلى نوبات غضب أو قلق.

  • الصحة النفسية: معدلات أعلى من القلق والاكتئاب والوسواس القهري مقارنة بعامة السكان.

يُقدّم العلاج السلوكي التطبيقي (ABA) منهجًا منظمًا وشخصيًا لمعالجة هذه التحديات، إليك بعض الفوائد المحددة التي يُمكن أن يُقدّمها للبالغين:

  • تحسين المهارات الاجتماعية: تطوير استراتيجيات لبدء المحادثات، وتفسير الإشارات الاجتماعية، وبناء علاقات جيدة مع الآخرين.

  • تحسين التواصل: تعلم أساليب تواصل جديدة، وتُحسّن مهاراته اللغوية التعبيرية، واكتساب الثقة في التفاعلات الاجتماعية.

  • زيادة الاستقلالية: تطوير المهارات اللازمة للتعامل مع مهام الحياة اليومية، مثل: الأعمال المنزلية والنظافة الشخصية وإدارة الشؤون المالية.

  • آليات التكيف المحسّنة للحساسية الحسية: تساعد برامج ABA البالغين على تطوير استراتيجيات بديلة للتعامل مع المثيرات، كما تعلم تقنيات إدارة الحمل الحسي الزائد وتحديد المثيرات المحفزة، مثل: دمج الأنشطة الحسية كفواصل منظمة للجهاز العصبي خلال ساعات العمل الطويلة لتقليل الإجهاد.

  • الحد من القلق والاكتئاب: تطوير استراتيجيات للتعرف على أعراض الصحة العقلية وإدارتها.

مجالات تطبيق علاج تحليل السلوك التطبيقي المصممة خصيصًا للبالغين

تكمن روعة العلاج السلوكي التطبيقي في مرونته وقابليته للتكيف، حيث لا يقتصر تعديل السلوك للبالغين على الجلسات المكتبية،  إذ يعمل المعالجون بتعاون وثيق مع الأفراد وأنظمة الدعم الخاصة بهم لوضع خطة علاجية مُخصصة، فيما يلي بعض المجالات التي يُمكن أن يُفيد فيها العلاج السلوكي التطبيقي البالغين وتمتد ليشمل سياقات واقعية:

التأهيل المهني والتوظيف

مساعدة الفرد على تطوير مهارات وظيفية واجتياز مقابلات العمل أساسية،مثل: التواصل وإدارة الوقت وإنجاز المهام بأقل قدر من الإشراف والالتزام بجدول المهام، والتفاعل مع الزملاء.

يعتمد النجاح المهني للبالغين على التنظيم الذاتي، وهنا تبرز أهمية استخدام الجدول المرئي للتوحد كخارطة طريق يومية تساعدهم على إنجاز المهام الوظيفية باستقلالية ودون الحاجة لتوجيه مستمر.

 العيش المستقل

التدريب على التنظيف، استخدام وسائل النقل العام وإدارة الشؤون المالية، الطبخ، واستخدام وسائل النقل العام.

الصحة النفسية

دمج مبادئ العلاج السلوكي المعرفي (CBT) مع ABA لإدارة القلق والاكتئاب.

التكامل الحسي

تطوير استراتيجيات للتعامل مع المثيرات الحسية في البيئات المزدوجة (كالأسواق أو المكاتب).

التعليم

دعم الأفراد في سعيهم للحصول على التعليم العالي من خلال تعليمهم المهارات التنظيمية وعادات الدراسة، وكيفية التعامل مع بيئات الفصول الدراسية.

العلاقات الاجتماعية

تعلم كيفية بدء المحادثات، والحفاظ على الصداقات، والمشاركة في التفاعلات الاجتماعية المناسبة.

إدارة الصحة النفسية

تطوير آليات التكيف مع القلق والاكتئاب وتحديات الصحة النفسية الأخرى.

من المهم ملاحظة أن هذه القائمة ليست شاملة، بل تختلف الأهداف والتطبيقات المحددة للعلاج السلوكي التطبيقي اختلافًا كبيرًا من شخص لآخر.

 التدريب على مهارات الحياة اليومية

على الرغم من أن العلاج السلوكي التطبيقي (ABA) يوفر إمكانات هائلة للبالغين المصابين باضطراب طيف التوحد، إلا أن نجاح تطبيقه يعتمد على عدة عوامل:

  • التقييم الفردي: يعد التقييم الشامل لنقاط قوة الفرد وتحدياته وأهدافه أمرًا بالغ الأهمية لوضع خطة علاج فعالة.

  • النهج التعاوني: ينبغي أن يكون العلاج جهدًا تعاونيًا، يشمل الفرد وأسرته وأنظمة الدعم الخاصة به والمعالج، ويضمن إسهام جميع الأطراف المعنية توافق الخطة مع أولويات الجميع.

  • الدافعية وتقرير المصير: يستحق البالغون المصابون باضطراب طيف التوحد الاستقلالية في خطة علاجهم، ويمكن للمعالجين دمج استراتيجيات تعزز تقرير المصير وتشجع المشاركة الفعالة في أهداف العلاج.

  • المعالجون المؤهلون: من الضروري البحث عن معالجين مؤهلين وذوي خبرة على دراية بالتوحد لدى البالغين ومبادئ العلاج السلوكي التطبيقي.

  • النهج القائم على البيانات: يسمح جمع البيانات وتحليلها بانتظام للمعالجين بتتبع التقدم المحرز، وتعديل الاستراتيجيات حسب الحاجة، وإثبات فعالية التدخل.

  • استدامة المهارات وتعميمها: ينبغي أن لا يقتصر العلاج على معالجة المشكلات الآنية فحسب، بل يجب أن يركز أيضًا على استدامة المهارات وتعميمها على المدى الطويل. 

ومن الأهمية بأن تكون المهارات المكتسبة خلال العلاج قابلة للتطبيق في مختلف البيئات والسياقات، بما يعزز الاستقلالية والقدرة على أداء الوظائف اليومية.

اعتبارات النجاح من التنظيم إلى التطبيق

لا يتم العلاج في معزل، بل يتطلب شبكة من الجهات الداعمة والتغطية التنظيمية؛ لضمان فعالية علاج تحليل السلوك التطبيقي للبالغين، تشمل:

  1. الجهات التنظيمية والرخص: مثل: مجلس اعتماد تحليل السلوك (QABA/BAO/BACB) يجب أن يُشرف على البرنامج محلل سلوك معتمد (BCBA/QBA/IBA) يمتلك خبرة خاصة في التعامل مع البالغين.

  2. الجمعيات المختصة: مثل: الجمعية الأمريكية للتوحد (Autism Society)، والجمعيات الوطنية لدعم التوحد ومراكز التميز البحثي التي توفر موارد تدريبية وتوعوية.

  3. التغطية المالية: من الضروري مراجعة شركات التأمين الصحي والجهات الحكومية؛ لمعرفة مدى تغطية تكاليف العلاج.

  4. النهج التعاوني: إشراك الأسرة والجهات المجتمعية؛ لضمان تعميم المهارات في بيئات مختلفة (ريفية، حضرية، أو مهنية).

دراسة حالة: من التحديات الاجتماعية إلى الاستقرار المهني 

"واجه أحد البالغين المصابين بالتوحد صعوبات مستمرة في الحفاظ على استقراره الوظيفي نتيجة القلق الاجتماعي الحاد وتحديات المعالجة الحسية في بيئة العمل. ومن خلال الانخراط في برنامج تدخل سلوكي مخصص، تم تدريبه على مهارات التواصل الفعال مع الزملاء، وآليات التعامل مع الضغوط الحسية داخل المكاتب المفتوحة، وبناءً على هذه الاستراتيجيات المكتسبة ودعم مهارات الدفاع عن الذات، استطاع الفرد الانتقال للعمل بشكل مستقل تمامًا في قطاع التقنية، محققًا نجاحًا ملموسًا في إدارة مهامه وتفاعلاته اليومية."

تحديات التطبيق في بيئات مختلفة

تختلف فاعلية العلاج بناءً على السياق:

  • البيئات الحضرية مقابل الريفية: قد يواجه القاطنون في المناطق الريفية تحديات في الوصول لمراكز متخصصة، وهنا تبرز أهمية العلاج عن بُعد (Telehealth).

  • الاعتبارات الثقافية: يجب على المعالج تكييف الأهداف السلوكية لتتناسب مع القيم الثقافية والاجتماعية للأسرة والمجتمع المحيط.

الأسئلة الشائعة حول ABA للبالغين 

هل يناسب العلاج جميع حالات التوحد لدى البالغين؟

  • نعم، يتم تصميم الخطة بناءً على تقييم فردي لكل حالة، سواء كانت تحتاج لدعم بسيط أو مكثف.

ما هي مدة العلاج المتوقعة؟

  • تختلف المدة بناءً على الأهداف المحددة؛ بعض المهارات تُكتسب في أشهر، بينما تتطلب الأهداف المعقدة دعمًا طويل الأمد.

كيف أختار معالج ABA مؤهلاً؟

  • ابحث عن معالج مرخص يمتلك سجل نجاح مع البالغين، واستفسر عن استخدامه لأدوات قياس موضوعية.

ما هي التحديات الشائعة أثناء العلاج؟

  •  قد يواجه البالغون مقاومة التغيير أو صعوبة في تعميم المهارات في بيئات العمل المزدحمة، وهو ما يتم علاجه عبر التدريب الميداني.

ما هي العلاجات التكميلية التي يمكن دمجها؟

  •  يمكن دمج العلاج الوظيفي (OT) لتحسين المهارات الحركية، أو علاج النطق، بجانب العلاج السلوكي المعرفي (CBT) للتعامل مع الاضطرابات العاطفية.

على الرغم من وجود أبحاث جارية حول فعالية علاج تحليل السلوك التطبيقي (ABA) على المدى الطويل للبالغين، إلا أن إمكاناته في تعزيز التواصل والمهارات الاجتماعية وقدرات الحياة اليومية والرفاهية العاطفية لا يمكن إنكارها.

 ومع استمرار تطور مجال علاج التوحد، فإن علاج تحليل السلوك التطبيقي (ABA) يحمل في طياته وعدًا بلعب دور حيوي في دعم البالغين المصابين بالتوحد لتحقيق كامل إمكاناتهم وعيش حياة مليئة بالاستقلالية والروابط الهادفة والشعور بالإنجاز

مع ذلك، من المهم إدراك أن العلاج السلوكي التطبيقي ليس حلًا واحدًا يناسب الجميع،  فالتواصل المفتوح، والتقييم المستمر، والاستعداد لتكييف الاستراتيجيات، أمورٌ بالغة الأهمية لضمان نجاح التطبيق، إضافةً إلى ذلك، يُمكن لاستكشاف العلاجات التكميلية وتعزيز مهارات الدفاع عن الذات أن يُسهم في تمكين الأفراد في رحلتهم نحو حياة مُرضية.

لمن يبحثون عن علاج تحليل السلوك التطبيقي (ABA) ، تواصلوا معنا لمعرفة المزيد أو لحجز موعد، و ابدأوا رحلتكم نحو دعم فعّال وتحقيق تقدم ملموس.

المصادر:

healthline.com

helloaba.com

ncbi.nlm.nih.gov

(0) التعليقات

    لاتوجد تعليقات

اترك تعليقا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك

اشترك الآن في النشرة البريدية لتصلك أحدث المستجدات العلمية وآخر التحديثات التدريبية